وهبة الزحيلي
37
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المفردات اللغوية : وَإِذْ قالَ واذكر حين قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال الجمهور : لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكّا في إحياء اللّه الموتى قط ، ولا في قدرة اللّه ، وإنّما طلب المعاينة لكيفية الإحياء ؛ لأن النفوس تحبّ الاطلاع على المجهول ورؤية ما أخبرت به ، ولهذا قال عليه السلام : « ليس الخبر كالمعاينة » رواه الطبراني عن أنس . أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ بقدرتي على الإحياء ، والسؤال والجواب مع علمه تعالى بإيمان إبراهيم لتعليم السامعين . بَلى حرف جواب أي آمنت . وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي سألتك ليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال . فَصُرْهُنَّ أي قطعهنّ ، وقيل : المعنى : أملهنّ إليك أي ضمهنّ واجمعهنّ إليك ، وقوله : إِلَيْكَ على تأويل التقطيع ، متعلق بفعل « خذ » أي اجمعهنّ عندك ثم قطّعهن ، واخلط لحمهن وريشهن ، ثم وزّع أجزاءهنّ على مجموعة من الجبال ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ ( نادهنّ ) إليك ، يَأْتِينَكَ سَعْياً مسرعات ، طيرانا ومشيّا . عَزِيزٌ غالب لا يعجزه شيء . حَكِيمٌ في صنعه وتدبيره . التفسير والبيان : ونفّذ إبراهيم الخطّة ولم يعين اللّه تعالى الأربعة من أي جنس هي من الطّير ، وقيل عن ابن عباس : أخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا ، وفعل بهنّ ما ذكر ، وأمسك رؤوسهن عنده ، ودعاهنّ ، فتطايرت الأجزاء إلى بعضها ، حتى تكاملت ، ثم أقبلت إلى رؤوسها . وقال مجاهد : كانت طاووسا وغرابا وحمامة وديكا « 1 » ، فذبحهنّ ، ثمّ فعل بهنّ ما فعل ، ثمّ دعاهنّ ، فأتين مسرعات ، وهكذا يحيي اللّه الموتى بمجرد الأمر الإلهي : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس 36 / 82 ] ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا : أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت 41 / 11 ] .
--> ( 1 ) البحر المحيط : 2 / 299